|
عصر محمد على باشا (
1805 - 1848 م
)
|
|
ولد محمد على باشا بمدينة قولة
إحدي مدن اليونان سنة
1769 م وكان أبوه
إبراهيم أغا رئيس الحرس المختص بحراسة
الطرق ببلده وكان له سبعة عشر ولدا لم يعش
منهم غير محمد على ، وقد مات أبوه وعاش
يتيما لا يتجاوز الرابعة عشر من عمره
فكفله عمه طوسون الذى توفي فكفله صديق
والد حاكم المدينة " الشوربجي " ،
فلما بلغ محمد أشده انتظم فى سلك
الجهادية وسرعان ما ظهرت شجاعته ثم تزوج
من إحدي قريبات متصرف قولة وكانت واسعة
الثراء وأنجب منها إبراهيم وطوسون
وإسماعيل وتفرغ للتجارة وخاصة تجارة
الدخان إلا أنه سرعان ما عاد للحياة
العسكرية وذلك عندما أغار نابليون
بونابرت على مصر وشرع الباب العالي أو
تركيا فى تعبئة جيوشها انضم محمد على إلى
كتيبة مدينة قولة التى ركبت السفينة
التركية التى رست فى ساحل أبو قير
بالإسكندرية بقيادة حسين قبطان باشا فى
شهر مارس سنة
1801م ، وهكذا جاء محمد على
إلى مصر واشترك فى المعارك الأخيرة التى
دارت بين الإنجليز والأتراك من جانب
والفرنسيين من جانب أخر وظهر اسمه فى
هجوم الجيش التركي على الرحمانية وساعده
الحظ بانسحاب الفرنسيين من قلعة
الرحمانية فاحتلها محمد على دون عناء . |
|
|
|
 |
وقد ظل محمد على بمصر وشهد انتهاء الحملة
الفرنسية على مصر وفى أثناء ذلك كان قد
رقي إلى مرتبة كبار الضباط فنال رتبة
بكباشي قبل جلاء الفرنسيين ثم رقاه خسرو
باشا إلى رتبة " سر جشمه " أو لواء ،
وكان فى ذلك الوقت الصراع دائرا فى مصر
على السلطة وخاصة أن إنجلترا قامت فى
27 مارس سنة
1802م بعقد صلح عرف بصلح أميان
AMIENS بين فرنسا وإنجلترا وهولندا وإسبانيا
وكان من شروط هذا الصلح جلاء الإنجليز عن
مصر ، كما أن الحرب بين المماليك
والأتراك قد اشتدت
|
|
فبدأ محمد على أن
يدبر لنفسه خطة لم يسبقه إليها أحد وهى
التودد إلى الشعب المصري واستمالة
زعماؤه للوصول إلى قمة السلطة وخاصة بعد
ثورة الشعب ضد المماليك فى مارس سنة
1804 م من كثرة وقوع المظالم وزيادة الضرائب على
الشعب المصري
|
|
|
|
 |
كذلك كثرة اعتداء المماليك
والجنود الألبانيين على الأهالي فبدأ
محمد على فى هذه الأثناء فى استمالة
الشعب المصري له واختلط بالعامة وانضم
إلى المشايخ والعلماء ، وفى سنة فى سنة
1805م حدثت ثورة بالقاهرة ضد الأتراك بدأت
عندما اعتدي الجنود |
|
الدلاة - جنود من
عناصر السلطنة العثمانية - على أهالي مصر
القديمة وأخرجوهم من بيوتهم ونهبوا
مساكنهم فاجتمع العلماء وذهبوا إلى
الوالي خورشيد باشا وخاطبوه فى وضع حد
لفظائع الجنود الدلاة إلا أن الوالي لم
يستطع عمل شيئا فبدأت الثورة تأخذ طريقها
ضد الوالي التركي وجنوده |
|
|
|
 |
وهنا اغتنم محمد
على تطور أحداث هذه الحركة ليؤيدها
ويناصر الشعب كما فعل فى ثورة الشعب ضد
المماليك ، وفى تلك الأثناء حاول خورشيد
باشا إبعاد محمد على عن مصر حيث نجح فى
جعل الباب العالي يصدر فرمانا سلطاني
بتقليد محمد على ولاية جدة
|
|
إلا أن الشعب
المصري وزعمائه وعلمائه كان قد أصدر حكمه
بعزل الوالي العثماني خورشيد باشا
وتعيين محمد على واليا على مصر بدلا منه
فى
13 مايو سنة
1805م وهكذا تولي محمد على
باشا حكم مصر نزولا على رغبة أبنائها وهو
ما يعد انقلابا عظيما فى نظام الحكم
لتبدأ مصر مرحلة جديدة من النهضة أثرت
على تاريخها السياسي والحربي والاقتصادي
والاجتماعي فما أن بدأ محمد على باشا حكم
مصر إلا وكان قد عزم بل وصمم على أن يجعل
من مصر دولة لها سيادة بعد غياب قرون
طويلة لهذه السيادة وتسير على نفس خطي
التقدم والرقي الذى تشهده دول العالم
الكبري فى ذلك الوقت وبخاصة إنجلترا
وفرنسا بعد أن ظلت مصر ولاية تابعة
للدولة العثمانية لمدة ثلاثة قرون
متعاقبة تتنازعها قوي عديدة . |
|
|
|
بعد أن استتب لمحمد على باشا الحكم قضي
على أعدائه من المماليك فى مذبحة
المماليك الشهيرة سنة
1811م كما قام بإلغاء
فرق الجنود الإنكشارية أو فرق الجنود
العثمانية وبدأ فى إرساء دعائم جديدة
كانت بدايتها أو نواتها الأولي هى النهوض
بمصر فى كافة النواحي فبدأ أولا بالنهوض
بالجيش وتنظيمه حيث قام الكولونيل سيف
الذى عرف فيما بعد باسم الجنرال سليمان
باشا الفرنساوي بتدريب أو تكوين فرقة
جديدة من الجيش عرفت فى الوثائق الرسمية
وكتب المؤرخين باسم " اليكيجريه " أو
الجيش الجديد وكان قوام هذه الفرقة فى
البداية من صغار المماليك وبعضا من
الجنود الإنكشارية العثمانية والألبان
إلا أن هذه البداية فشلت فشلا ذريعا بل إن
الألبان ثاروا ضد محمد على باشا وقاموا
بتحريض الشعب المصري على رفض هذه البدعة
، إلا أن هذا لم يكن ليثني محمد على باشا
عن المضي فى التقدم بالجيش فقام بمحاولة
ثانية وهي تجنيد فرقة من الجند السودان
إلا أن هذه المحاولة فشلت أيضا لتفشي
الأمراض بين الجند ومن هنا بدأ محمد على
فى التفكير فى تشكيل جيش مصري جنوده من
المصريين وكان هدفه من ذلك إنشاء جيش من
المصريين يحقق أغراضه التوسعية وللدفاع
عن بلادهم وإعلاءها ، وبذلك استطاع محمد
على تثبيت أركان حكمه بالنهوض بالجيش
المصري فأنشئت أول مدرسة حربية للمشاه
سنة
1820 م وكان يتم تدريبهم بميدان
الرميلة أو قره ميدان - ميدان القلعة
حاليا - حيث كان يتولاهم محمد على بنظره
أثناء التدريب ثم نقلت هذه المدرسة إلى
أسوان فى سنة
1821 م ثم ازدادت المدارس
الحربية وفتحت مدارس بكل من فرشوط
والنخيلة وجرجا ، وفى سنة
1823م كان
التشكيل الأول للجيش المصري وكان مكونا
من ست كتائب ثم ارتفع عدد هذه الكتائب
فيما بعد وأصبح الجيش المصري يواكب أحدث
النظم العسكرية فى العالم فى ذلك الوقت .
|
|
|
 |
وكما اهتم محمد على باشا بتنظيم الجيش
المصري على أحدث النظم الحربية اهتم
بالنهوض بمصر فى كافة المجالات وبخاصة فى
العمارة التى تميزت بطرز جديدة وافدة على
مصر كان أغلبها أوربي نظرا لاستقدام محمد
للعديد من المهندسين والعمال
|
|
الأجانب
لبناء العديد من العمائر سواء الدينية أو
المدنية أو الحربية وكان هؤلاء
المهندسين أغلبهم من تركيا ومن أوربا
فبدأ فى الظهور أنماط تركية وألبانية
وأوربية نتيجة لتوافد هذه العناصر على
مصر فى القرن التاسع عشر الميلادي على
العمارة والفنون فعرف هذا الطراز فى كتب
المؤرخين باسم " الطراز الرومي " . |
|
|
 |
كما تميز عصر محمد على باشا بالنهضة فى
التنظيم والهندسة فى العمارة ممثلة فى
أنه أصبح يوجد لائحة للتنظيم حيث فتحت
الحارات والدروب والسكك وسهل المرور بها
أصبح الناس بمصر يتبعون فى مبانيهم الطرز
المعمارية الحديثة كما انتدب محمد على
باشا
|
|
المهندسين وملاحظي المباني ليطوفوا
بالمدن للكشف عن المساكن والدور القديمة
ويأمروا أصحابها بهدمها وتعميرها فإن
عجزوا أمورا بإخلائها ولتقوم الحكومة
بترميمها على نفقتها الخاصة لتكون بعد
ذلك من أملاك الدولة ، أيضا قام محمد على
باشا بوضع أولي لبنات التعليم فى مصر على
الرغم مما لاقاه من صعوبات بالغة تمثلت
فى المعارضة الشديدة من الأتراك من ناحية
ومن التخلف والجهل الذى كان يسود مصر من
ناحية أخري نظرا لكثرة الفتن والخلافات
والصراعات بين المماليك والأتراك ومن
هنا بدأ فى نشر المدارس المختلفة لتعليم
أبناء الشعب المصرى ومنها المدارس
الحربية مثل مدرسة السواري أو الفرسان
بالجيزة مدرسة المدفعية بطره مجمع مدارس
الخانكة ، مدارس الموسيقي العسكرية
وغيرها من المدارس ، أيضا كان هناك
العديد من المدارس الأخري مثل مدرسة
الألسن ومدرسة الولادة ومدرسة الطب أو
مدرسة القصر العيني ومدرسة الطب البيطري
ومدرسة الزراعة وغيرهم من المدارس . |
|
|
 |
وكما اهتم محمد على باشا بالتعليم بمصر
بمختلف أنواعه اهتم أيضا بالصناعة التى
تطورت تطورا كبيرا فى عهده والتى أصبحت
ثاني عماد للدولة بعد التعليم بكافة
أشكالها وبخاصة الحربية لمواكبة الأنظمة
التى كانت موجودة بأوربا وحتي لا تعتمد
مصر على جلب
|
|
كافة احتياجاتها من الخارج
الأمر الذى سيجعلها تحت رحمة الدول
الكبرى من ناحية واستنزاف موارد الدولة
من ناحية أخري إلى جانب أن معظم الخامات
المستخدمة فى الصناعة كانت موجودة فعلا
بمصر فضلا عن توفر الثروة البشرية ،
وهكذا تم إنشاء العديد من المصانع وكان
أول مصنع حكومي بمصر هو مصنع الخرنفش
للنسيج وكان ذلك فى سنة
1231 هـ / 1816 م ثم
بدأت تتوالي المصانع سواء الحربية أو
غيرها الأمر الذى أدي بمحمد على إلى
اتباع سياسة خاصة للنهوض بهذه المصانع
بدأها أولا باستخدام الخبراء والصناع
المهرة من الدول الأوربية لتخريج كوادر
مصرية من رؤساء وعمال وصناع وفنيين
وإحلالهم محل الأجانب بالتدريج . |
|
|
|
|
|
|
|
وقد انقسمت الصناعات الجديدة التى
أدخلها محمد على باشا إلى مصر إلى ثلاثة
أقسام الأول وهو الصناعات التجهيزية
وتمثلت فى صناعة آلات حلج وكبس القطن وفى
مضارب الأرز ومصانع تجهيزه ، وتجهيز
النيلة للصباغة ، ومعاصر الزيوت ومصانع
لتصنيع المواد الكيماوية كما قام محمد
على باستبدال الطرق البدائية فى الصناعة
وإدخال بدلا منه الآلات سواء
الميكانيكية أو التى تدار بالبخار
والمكابس ، أما القسم الثاني وهى
الصناعات التحويلية وهى الصناعات
المتعلقة بالغزل والنسيج بكافة أنواعه ،
القسم الثالث وهو الصناعات الحربية وقد
بدأ محمد على باشا فيها بعد قيام الحرب
الوهابية سنة 1811 - 1819م حيث أسس أول ترسانة
أو دار للصناعة بالقلعة -
ورش باب العزب -
ليكون على أحدث النظم الأوربية فى ذلك
الوقت لتتوالى المصانع الحربية بعد ذلك
بأنحاء مصر ، هذا ولقد كان ذلك بعضا مما
شملته أوجه النهضة بمصر فى عهد محمد على
باشا
|